المرسل:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أما بعد؛ فإلى الأخ العزيز، الشيخ الفاضل محمد الميل – دام كما رام – بدأت ذي بدء، أود الإشارة إلى أنني كنت متابعًا لشخصكم الكريم منذ سنوات طويلة، وإن معرفتي بكم تعود إلى فترة خلت، إبان وجودكم في إحدى الهيئات الدينية في مقاطعة باكينغهامشير (Buckinghamshire).
إلا أنني، وخلال العامين الماضيين، أُعجبت كثيرًا بأطروحاتكم الأخيرة، التي اتسمت بالعمق والتحرر من ربقة التقليد، وجاءت كغيثٍ صيّبٍ على أرضٍ عطشى لمراجعات شجاعة تعيد صياغة العقل المسلم بعيدًا عن التخندق الأيديولوجي.
وهذا ما دعاني إلى إخبار صاحبي، الأستاذ ، بهذه المستجدات المُثلجة للصدر، فسُرَّ بها كثيرًا، وتواصل معكم على إثر ذلك، وفيما أحسب أنه قد جمعكم به تواصل قديم منذ سنوات، وتجدد هذا الوصال مؤخرًا في ظلال هذه الصحوة الفكرية المباركة.
ولا أخفيكم أني وقفتُ على تشاكلٍ عميق، وتقاطعٍ وجدانيّ وفكريّ بين مكابَدَتَينا؛ ولعل هذا التقاطع هو الخيط الخفيّ الذي شَدّني لديمومة استقصاء نتاجكم.
وحين طالعتُ كتاب «عكازة مستحمر»، وأمعنتُ النظر في تلك التجربة القاسية التي تجرّعتم غُصَصها، وما أوردتموه من شواهدَ دقيقةٍ تُشرّح بنية التعاطي مع المجتمع الديني، تجلّى لي تطابق المعاناة؛ فقد تقاسمنا ارتشاف نَغْب التهمام، وذُقنا الأمرّين من سطوة الغلاة على تباين مشاربهم، موقنين أن الغلوّ آفةٌ لا تمثل المذاهب التي تتستر بردائها.
وقد قاسيتُ في هذا الدرب عناءً مريرًا، لا سيما إبّان تصدّري للخطابة في بعض الجوامع الكبرى بمدينة ، وما زلتُ أُكابد ارتدادات تلك المرحلة المأزومة، مصداقاً لما قرّره حجة الإسلام الغزالي في كتابه الشهير المنقذ من الضلال، واصفاً هذه المكابدة بقوله: «ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنى تقاومهم وكيف تقاسيهم؟!».
لقد تمخضت هذه التجربة المريرة التي خضتُ غمارها لسنوات، عن قناعةٍ راسخة أتقاطع فيها مع أطروحاتكم؛ خلاصتها أن كل مذهبٍ إسلاميّ يرتكن إلى أدلةٍ يراها دامغة، ويحسبها سفينة نجاته التي يقطع بها ويجزم.
ومن هنا، تجلّى لي بوضوح أن الإسلام، في جوهره الأصيل ومقاصده الكلية، أسمى وأعز من أن يُختزل في شخوصه – ما خلا نبيه المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم – أو يُحصر في مدارسه والمنتسبين إليه.
وأدركتُ أن الاحتكام المجرد إلى النص القرآني، والانطلاق من الضروريات القطعية التي جاء بها الوحي، هو الإقليد الأوحد لصهر أشتات الأمة في قالبٍ واحد بعد قرونٍ من التمزق والتبعثر، ولا سبيل إلى رتق هذا الصدع إلا بهذا المنهج.
وإنّ غايتي الأولى من تسطير هذه الأحرف، هي مدّ جسور التواصل مع شخصكم الكريم، مقرونةً بصادق الدعاء لكم بالتوفيق، ثم إنني طمعتُ في الاستيضاح منكم عن معضلةٍ فكرية طالما أرّقتني، وتتصل بإشكالية الاحتكام إلى النص القرآني بوصفه سبيلاً لتوحيد أطياف الأمة.
الإشكال هو: إذا كنا نريد تطبيق هذا المنهج في واقع المسلمين اليوم، والعمل بالنص القرآني وضرورياته وما يشبههُ من السنة النبوية القطعية، فإننا نجد عقبة كؤودًا تحول دون ذلك؛ إذ ما هو “المعيار الإبستمولوجي” أو “القيّم المعرفي” الذي يُفهم من خلاله النص القرآني؟
فقد أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق عكرمة، أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أوصى ابن عباس عندما أرسله لمناظرة أهل النهروان قائلاً: «اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه».
وفي التراث الإمامي، روى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في الكافي، بسنده عن منصور بن حازم في سؤاله للإمام جعفر بن محمد الصادق، قال: «فحين مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، من كان الحجّة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن، فإذا هو يخاصم به المُرجئّ والقدريّ والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته».
ولست بهذا أحتج بهذه الروايات لتفنيد مبدأ الاحتكام للنص، وإنما من خلالها أستشفّ الواقع المعرفي والتاريخي الذي يقودني إلى تساؤل جوهري: كيف يُقرأ النص القرآني قراءةً معيارية تتفق عليها الأمة، وتحتكم بها إلى هذا النص في تسيير أمورها، بما لا يطوِّح بها مجددًا في مزالق الافتراق والشتات؟
بعبارة أخرى؛ إذا كان النص القرآني حمّال أوجه، وقابلاً للتأويل بحسب القبليات الفكرية والمسبقات العقدية لكل طائفة، فكيف نؤسس لقواعد تأويلية (هيرمنيوطيقا إسلامية) جامعة تضبط الفهم، وتمنع من استنطاق النص بما يخدم الأهواء المذهبية؟
هل يكمن الحل في تجريد النص من التراكمات التفسيرية التاريخية والعودة إلى دلالاته اللغوية الصافية؟ أم في الاحتكام الصارم إلى المقاصد الكلية والمحكمات التي لا تقبل التأويل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الآلية الموضوعية لفرز المحكم من المتشابه، في ظل نزاع الطوائف وتجاذبها حول هذا الفرز ذاته؟ كيف نضمن ألا يتحول ادعاء الاحتكام للقرآن إلى مجرد إعادة إنتاج للتمذهب ولكن بغطاء قرآني هذه المرة؟
دمتم بخير .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(ملاحظة خاصة):
الرسالة الجوابية:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نشكر لكم رسالتكم الكريمة، وما احتوت عليه من أدب رفيع، وعناية بالغة، وحرص صادق على وحدة الكلمة وجمع الشتات.
ونود أن نحيطكم علمًا بأننا قد عرضنا رسالتكم على محمد الميل، فتأمل مضمونها مليًا، وأطال فيها النظر، وقدر ما لمسه فيها من صدق المسعى في تقصي الحقيقة. وقد أبدى رغبة في استمرار التواصل معكم وعدم انقطاعه، فمثلكم ممن يستفاد من آرائهم، ويستعان بنظرهم في معاضدة المشروع الفكري.
وأما الإشكال الذي طرحتموه حول معيارية الفهم القرآني، فقد أشار إلى ما بسطه من أطروحات في مؤلفه «المجرى والمرسى»، فإن فيه من التفصيل ما يغني عن استطراد القول ههنا. وننصحكم بالصبر قليلًا حتى صدور الطبعة المنقحة المزيدة، المقرر إصدارها في الشهر القادم بإذن الله، إذ صدرت الطبعة الأولى في ظروف مضطربة مر بها المؤلف بعد الإفراج عنه إفراجًا مشروطًا، عقب اعتقاله في بريطانيا بسبب نصرته للقضية الفلسطينية، فلم يتسع له الوقت لمراجعة متن الكتاب على الوجه الذي أراده، فآثر نشره على عجل.
وإجمالًا، فإن المنهج الذي قرره في معالجة هذا الإشكال يقوم على جملة من الأصول الكلية، نفردها هنا على سبيل الاختصار، أما تفصيلها وبيان مستنداتها فموكول إلى الكتاب المشار إليه. وتتخلص هذه الأصول في المحاور الآتية:
أولًا: تأسيس التعامل مع كتاب الله على ما لا يختلف فيه عاقلان عربيان، كالفصل بين دلالة الأمر المجرد على الوجوب ودلالته على الترغيب، والاكتفاء بالقدر المتيقن الذي لا خلاف فيه، وهو الحث على الفعل، كما في هذا المثال.
ثانيًا: إعادة النظر في حجية خبر الواحد، وبيان أنه لا يقبل إلا إذا ارتقى من كونه ظنيًا إلى مرتبة الاطمئنان أو القطع بفضل القرائن والمعضدات، فتكون الحجية حينئذ لتلك القرائن، لا للنقل المجرد. وليس في ذلك رد لأقوال خير الخلق ﷺ، وإنما هو رد للخبر الناقل لها إذا لم يجاوز دائرة الظن.
ثالثًا: التمييز بين السنة الرسولية والسنة النبوية، وتقرير أن محل الحجية التعبدية هو ما صدر عن محمد ﷺ بصفته رسولًا، لا بصفته نبيًا، مع تفصيل ما يتعلق بحجية كل منهما في موضعه من الكتاب.
المرسل:
إني لأرجو أن تنقلوا للشيخ محمد أطيب السلام والاعتزاز باهتمامه ورغبته في استمرار هذا التواصل الفكري، مع الدعاء له بالتوفيق والسداد على ما تفضل به من إيجازٍ مكثف للأصول الكلية التي استشكلناها.
وأحيطكم علماً بأنني سأنتظر بشغفٍ وتطلع صدور الطبعة المنقحة والمزيدة من كتاب «المجرى والمرسى» في الشهر القادم بإذن الله؛ لكونها مظانّ التفصيل المحرر الذي يرفع عناء الاستطراد.
وقد تأملتُ الأصول الثلاثة الكلية التي تفضلتم بإيجازها: (التزام القدر المتيقن من الدلالات، وتأطير حجية خبر الواحد بالقرائن المعضدة، والتمييز بين السنة الرسولية والنبوية)؛ وهي ولا شك أصولٌ كبرى في الهيرمينوطيقا والتأسيس الأصولي، تُغري بالوقوف عندها وتأمّل شواهدها ومستنداتها الابستمولوجية عند إرواء القول فيها داخل متن الكتاب، لتبين مدى كفايتها في رفع إشكال التفرق وتحقيق معيارية الاستنطاق القرآني.
وإني لأبادل الفاضل الشيخ محمد ذات الحرص على استدامة هذا التواصل الفكري، ولا أخفيكم بالغ سروري بهذه الرغبة الكريمة، التي أعدّها امتداداً محموداً لتبادل الرأي وإثراء المدارسة.
ختاماً؛ أرجو نقل خالص سلامي وتحياتي للشيخ محمد الميل، سائلاً المولى جلّ وعلا أن يسبغ عليه ثوب الصحة والعافية، وأن يبارك في جهوده وفكره، وأن يوفقكم لكل خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الاثنين 20 صفر 1448 هـ
الرسالة الجوابية:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وصلت رسالتكم، ونقلنا إليه سلامكم، فسره ذلك.
